قالت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، إن الصراع بين مصر وإثيوبيا كثيرًا ما يُوصف بأنه نزاع على سد، لكنه في الحقيقة صراع على الأمن المائي، والسلطة التاريخية، والتنمية الوطنية، والنفوذ الإقليمي. 

 

ويُعدّ سد النهضة، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، محور هذا الصراع. وفيما وصفته الصحيفة بأنه يمثل لإثيوبيا رمزًا للسيادة والتحول الاقتصادي، قالت إنه يُمثّل لمصر تهديدًا محتملاً لنظام الأنهار الذي تعتمد عليه البلاد في بقائها.

 

النيل كقضية وجودية


واستعرض التقرير البيئة المصرية، شارحًا كيف أن مصر دولة صحراوية يتركز سكانها وزراعتها واقتصادها بشكل كبير على طول وادي النيل ودلتاه. ونظرًا لمحدودية هطول الأمطار وقلة مصادر المياه العذبة البديلة، ينظر القادة المصريون إلى تدفق مياه النيل بشكل منتظم كضرورة للأمن القومي. ويرتبط جزء كبير من هذه المياه بالنيل الأزرق، الذي ينبع من المرتفعات الإثيوبية قبل أن يتدفق عبر السودان إلى مصر.


وأوضح أن هذه الجغرافيا تُفسر قلق مصر بشأن سد النهضة. وتزعم إثيوبيا أن السد مصمم لتوليد الكهرباء، لا لاستهلاك المياه، وأنه يُمكن أن يُساعد في تنظيم الفيضانات ودعم صادرات الطاقة الإقليمية. أما مخاوف مصر فتختلف: فخلال فترات الجفاف الممتدة، قد يؤدي ملء الخزان بسرعة أو تشغيله بشكل غير منسق إلى انخفاض تدفق المياه في المصب، مما يُلحق الضرر بالزراعة والأمن الغذائي والاستقرار السياسي.

 

موقف مصر يستند إلى الاتفاقات التاريخية 


ويستند موقف مصر إلى اتفاقيات مياه النيل القديمة، ولا سيما الاتفاقية الأنجلو-مصرية لعام 1929 واتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان. وقد خصصت هذه الاتفاقيات معظم مياه النيل لدول المصب، ومنحت مصر نفوذًا قويًا على مشاريع المنبع. 

 

لكن إثيوبيا ترفض هذه الاتفاقيات التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية، لأنها لم تكن طرفًا فيها. وبدلاً من ذلك، تؤكد أديس أبابا على الاستخدام العادل: أي مبدأ حق جميع دول حوض النيل في تنمية موارد المياه المشتركة.

 

وبحسب الصحيفة، يمثل سد النهضة تحولاً جذريًا في موازين القوى الإقليمية. فإثيوبيا، التي عانت طويلاً من الفقر ونقص البنية التحتية، تنظر إلى السد كأداة لتوفير الكهرباء، ودعم النمو الصناعي، وتعزيز الفخر الوطني. 

 

وذكرت وكالة "رويترز" أن إثيوبيا افتتحت سد النهضة رسميًا في سبتمبر 2025، ووصفته بأنه أكبر سد كهرومائي في أفريقيا، حيث يُتوقع أن يُغذي إنتاجه إثيوبيا والمنطقة بأسرها. في المقابل، ترى مصر أن تشغيل السد بشكل أحادي الجانب ينتهك أمنها المائي وحقوقها الدولية.

 

البحر الأحمر والاحتواء الإقليمي


وتطرق التقرير إلى جانب آخر من الخلاف، حيث تجاوز النزاع حدود النيل. فإثيوبيا دولة حبيسة، وتسعى منذ زمن طويل إلى تأمين منفذها إلى البحر الأحمر. وفي مطلع عام 2024، أثار اتفاقها المقترح مع جمهورية أرض الصومال قلق الصومال، التي تعتبر أرض الصومال جزءًا من أراضيها. 

 

وسرعان ما تقاربت مصر من الصومال، مستخدمةً العلاقات العسكرية والدبلوماسية للضغط على إثيوبيا من جهة أخرى. وأدى ذلك إلى نشوء تنافس أوسع في القرن الأفريقي، تداخلت فيه سياسات المياه، والمنافذ البحرية، والتحالفات الأمنية.

 

بالنسبة للقاهرة، قالت الصحيفة إن بناء العلاقات مع جيران إثيوبيا يُعد وسيلةً للحدّ من نفوذ أديس أبابا الإقليمي، في ظلّ استحالة السيطرة المباشرة على النيل الأزرق. أما بالنسبة لإثيوبيا، فتبدو هذه التحركات بمثابة سياسة احتواء: محاولة لإبقاء البلاد حبيسة، تابعة، ومحاصرة دبلوماسيًا. هذا الشك المتبادل يُصعّب المفاوضات الفنية بشأن المياه، إذ يُفسّر كل طرف تصرفات الآخر كجزء من حملة استراتيجية أوسع.

 

الوساطة: حدود الاتحاد الأفريقي ودور تركيا


وأصبح الاتحاد الأفريقي المنتدى الرئيسي لدبلوماسية سد النهضة الإثيوبي، انطلاقًا من فكرة "حلول أفريقية للمشاكل الأفريقية". إلا أن المحادثات تعثرت مرارًا وتكرارًا بسبب الخلاف حول مدى إلزامية أي اتفاق قانونيًا، وكيفية إدارة عمليات السد خلال سنوات الجفاف. فضّلت إثيوبيا مبادئ توجيهية مرنة تحمي خياراتها التنموية، بينما طالبت مصر بقواعد قابلة للتنفيذ، وآليات واضحة لتسوية النزاعات، وضمانات ضد التخفيضات الحادة في تدفقات المياه في المصب.

 

في المقابل، حققت تركيا نجاحًا أكبر في المسار الصومالي الإثيوبي. فقد أكد إعلان أنقرة، الصادر بعد وساطة تركية في ديسمبر 2024، سيادة الصومال وسلامة أراضيه، مع إقراره في الوقت نفسه بحاجة إثيوبيا إلى منفذ بحري موثوق تحت السيادة الصومالية. 

 

وقد فصل هذا النهج حاجة إثيوبيا الاقتصادية للوصول إلى الموانئ عن مسألة الاعتراف بأرض الصومال، وهي مسألة حساسة سياسيًا. كما قلل من خطر المواجهة المباشر، وأضعف قدرة مصر على استخدام النزاع الصومالي كورقة ضغط على إثيوبيا.

 

لماذا يستمر الصراع؟


يستمر الصراع المصري الإثيوبي، لأن لكل من الطرفين أولويات مشروعة ولكنها متضاربة. تسعى مصر إلى ضمان استقرار تدفق المياه في النهر الذي يغذي سكانها، بينما تطالب إثيوبيا بحقها في استخدام أراضيها لتوليد الطاقة، والحد من الفقر، وتعزيز مكانتها الإقليمية. ولا يستطيع أي من الطرفين التوصل إلى حل وسط بسهولة دون أن يُنظر إليه على أنه يُهدد بقاءه الوطني أو يتنازل عن سيادته.

 

وفقًا للصحيفة، فإنّ المسار الأكثر واقعية للمضي قدمًا ليس تسوية شاملة تُنهي كل الخلافات التاريخية، بل هو اتفاق عملي بشأن عمليات سد النهضة، وتنسيق جهود مكافحة الجفاف، وتبادل البيانات، وتسوية النزاعات، إلى جانب بذل الجهود لمنع تحوّل التنافس بين البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى صراعات بالوكالة. 

 

وختمت الصحيفة: "السؤال المحوري هو: هل تستطيع مصر وإثيوبيا الانتقال من التفكير القائم على مبدأ الربح والخسارة إلى الاعتماد المتبادل المُدار؟ فبدون هذا التحوّل، سيظل النيل ليس مجرد نهر، بل خطًا من القلق الاستراتيجي يمتد عبر شمال شرق أفريقيا".

 

https://blogs.timesofisrael.com/water-power-and-the-red-sea-the-egypt-ethiopia-conflict-explained/